محمد هادي معرفة
32
التمهيد في علوم القرآن
قلت : وإنّما أتى أبو العالية في هذا حيث لم يفرّق بين حرف « عن » وحرف « في » فتنبّه له الحسن فقال : ألا ترى قوله « عن صلاتهم » . يؤيّد أنّ السهو الذي هو الغلط في العدد إنّما هو يعرض في الصلاة بعد ملابستها ، فلو كان هو المراد لقيل : في صلاتهم ساهون ، فلمّا قال : « عن صلاتهم » دلّ على أنّ المراد به الذهاب عن الوقت ، لأنه سهو عن أصل الصلاة . ونظير هذا ما قاله القتبي « 1 » في قوله تعالى : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ « 2 » ، زعم أنه من قوله : عشوت إلى النار أعشو ، إذا نظرت إليها . فغلّطوه في ذلك وقالوا : إنّما معنى قوله « من يعرض عن ذكر الرحمن » ولم يفرّق بين عشوت إلى الشيء وعشوت عنه . وهذا الباب عظيم الخطر ، وكثيرا ما يعرض فيه الغلط ، وقديما عنى به العربي الصريح ، فلم يعرف ( أي القتبي ) ترتيبه وتنزيله . روي عن البراء بن عازب أنّ أعرابيا جاء إلى النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) فقال : علّمني عملا يدخلني الجنة ، فقال : اعتق النسمة وفكّ الرقبة ، قال : أو ليسا واحدا ؟ قال : لا ، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها ، وفكّ الرقبة أن تعين في ثمنها . فتأمّل كيف رتّب الكلامين واقتضى من كل واحد منهما أخصّ البيانين فيما وضع له من المعنى وضمنه من المراد . وجمع هارون الرشيد سيبويه والكسائي ، فألقى سيبويه على الكسائي مسألة ، فقال : هل يجوز قول القائل : كاد الزنبور يكون العقرب فكأنه إياها أو كأنها إياه ؟ فجوّزه الكسائي على معنى كأنه هي أو كأنها هو . وأباه سيبويه ، فأحضر
--> ( 1 ) هو عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة 270 . ( 2 ) الزخرف : 36 .